فوزي آل سيف
380
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
وهكذا تخلص بهلول من المأزق السياسي الذي أراد محمد إيقاعه فيه تماماً كما استطاع ذلك مع عمرو العدوي.. فخرج وهو يقول: إن كنت تهواهم حقا بلا كذب فالزم جنونك في جد وفي لعب إياك من أن يقولوا عاقل فطن فتبتلى بطويل الكد والنصب مولاك يعلم ما تطويه من خلق فما يضرك أن سبوك بالكذب([209]) لقد كان جنونه أسلوباً، وأسماله الرثة تفرضها طبيعة الدور.. وكان يعرف ذلك فلم يضع هدفه لصالح الأسلوب، بل استخدم الأسلوب خير استخدام لنشر أفكاره ومعارفه. مرّ ذات يوم على هارون الرشيد، فأخبره هارون أنه قد ابتنى قصراً جديداً، فذهبا لمعاينته، والتفرّج عليه، ثم طلب هارون منه أن يقول شيئاً على عادة الشعراء حينما يصفون قصور الخلفاء، فأخذ بهلول قطعة من الفحم وبدا يكتب على جدار القصر العبارات التالية: «رفعت الطين ووضعت الدين ورفعت الجص ووضعت النص فإن كان من مالك فقد أسرفت والله لا يحب المسرفين وإن كان من مال غيرك فقد ظلمت والله لا يحب الظالمين». ولو فكرت عزيزي القارئ في معاني هذه الكلمات وأردت عبارات أدق وأقوى وأجمع لأعياك ذلك. فقد أدان بهلول العمل هذا باعتباره إسرافاً أو خيانة وظلماً، وأدان المنهج الذي يسير عليه الخليفة والقاضي برفع الطين والجص والبنيان، ووضع الدين والنص والإيمان جانباً، بينما المفروض أن تنعكس الآية في حياة الوالي المسلم. وتارة يقوم بهذا العمل أمام الخليفة وأخرى خلفه.. تتغير الأساليب ولكن الهدف واحد تعرية هذه الخلافة الظالمة. وتعريف الناس بالطريق السليم. لقد أرسل إليه هارون الرشيد طعاماً جيداً، من مطبخ القصر، ووصل الخادم إلى منزل بهلول، وبينما كان يتلمظ الخادم بريقه لرائحة الطعام الطيبة، أملاً من بهلول أن يسمح له بالأكل معه، قام بهلول بالطعام ليقدمه إلى كلب في خربة مجاورة.. فانتهره الخادم.. إذ كيف يقدم الطعام المرسل من الخليفة للكلب؟! إن هذه اللفتة لو حصلت لكثير من الناس لأسكرته بنشوتها أياماً.. طعام الخليفة!!. - كيف تقدم طعام الخليفة للكلب؟!. فقال له بهلول: - صه.. لا ترفع صوتك فلو سمع الكلب أنه من الخليفة لأبى أن يأكله؟.
--> 209 )أعيان الشيعة 3/ 619.